الحلبي
140
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
بلى ، لجواز أن تكون أمه لم تكن متذكرة أنها أخبرتها بذلك قبل ذلك ، وأن حليمة كذلك ، أو جوّزت حليمة أنها تخبرها بزيادة عما أخبرتها به أولا ، بناء على اتحاد ما أخبرتها به أولا وثانيا ، واللّه أعلم . قالت : ولما أخبرت أولئك اليهود بذلك قال بعضهم لبعض اقتلوه ، فقالوا : أيتيم هو ؟ فقالت لا ، هذا أبوه وأنا أمه ، فقالوا لو كان يتيما قتلناه . أقول : وهذا يدل على أن ما ذكرته أمه لحليمة من أنها حين حملت به خرج منها نور إلى آخر ما تقدم ، وأن يكون لا أب له مذكورا في بعض الكتب القديمة أنه من علامة نبوة النبي المنتظر ، واللّه أعلم . قال : وعنها أنها نزلت به سوق عكاظ : أي وكان سوقا للجاهلية بين الطائف ونخلة المحل المعروف ، كانت العرب إذا حجت أقامت بهذا السوق شهر شوال ، فكانوا يتفاخرون فيه ، وللمفاخرة فيه سمي عكاظ ، يقال : عكظ الرجل صاحبه إذا فاخره وغلبه في المفاخرة . وفي كلام بعضهم كان سوق عكاظ لثقيف وقيس غيلان ، فرآه كاهن من الكهان فقال يا أهل سوق عكاظ اقتلوا هذا الغلام فإن له ملكا ، فزاغت : أي مالت به وحادت عن الطريق ، فأنجاه اللّه تعالى : أي وفي الوفاء : لما قامت سوق عكاظ انطلقت حليمة برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى عرّاف من هذيل يريه الناس صبيانهم ، فلما نظر إليه صاح : يا معشر هذيل ، يا معشر العرب ، فاجتمع إليه الناس من أهل الموسم ، فقال اقتلوا هذا الصبي ، فانسلت حليمة به ، فجعل الناس يقولون : أي صبي ، فيقول هذا الصبي ، فلا يرون شيئا ، فيقال له ما هو ؟ فيقول : رأيت غلاما والآلهة ليقتلنّ أهل دينكم ، وليكسرن آلهتكم ، وليظهر أمره عليكم فطلب فلم يوجد . وعنها رضي اللّه عنها أنها لما رجعت به مرت بذي المجاز : وهو سوق للجاهلية على فرسخ من عرفة : أي وهذا السوق قبله سوق يقال له سوق مجنة ، كانت العرب تنتقل إليه بعد انفضاضهم من سوق عكاظ فتقيم فيه عشرين يوما من ذي القعدة ، ثم تنتقل إلى هذا السوق الذي هو سوق ذي المجاز فتقيم به إلى أيام الحج ، وكان بهذا السوق عراف : أي منجم يؤتى إليه بالصبيان ينظر إليهم ، فلما نظر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي نظر إلى خاتم النبوة وإلى الحمرة في عينيه صاح : يا معشر العرب اقتلوا هذا الصبي ، فليقتلن أهل دينكم ، وليكسرن أصنامكم ، وليظهرن أمره عليكم ، إن هذا لينظر أمرا من المساء ، وجعل يغري بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلم يلبث أن وله فذهب عقله حتى مات ا ه . أي وفي السيرة الهاشمية أن نفرا نصراني من الحبشة رأوه صلى اللّه عليه وسلم مع أمه السعدية